أخبار وطنية الـحكومـة تواجـه «الـموت» بالمقرونة والأغطية والأحذية و800 تونسي قضوا ليلتهم دون مـأوى
الثابت أن تساقط الثلوج يمثل لدى البعض خبرا سارا، وفرصة لالتقاط بعض الصور بالمرتفعات المكسوة برداء أبيض ساحر، وقد يدفع الفضول بالبعض للتحول الى مناطق الشمال الغربي لاكتشاف جمال وروعة هذا الضيف الشتوي، ولعل البعض يتمنى لو كان بامكانه القيام برياضة التزلج، والتمتع بمشاهدة الاشجار والنباتات واسقف المنازل المغطاة بالثلوج، لكن في الجهة المقابلة فان هذه النعمة تتحول الى نقمة لأهل الجهة وخاصة محدودي الدخل والفقراء، وهذا الحلم يكون عبارة عن كابوس لأبناء عين دراهم وغيرها من المناطق الجبلية بجندوبة والكاف وسليانة، فتساقط الثلوج بكميات كبيرة يزيد من حجم معاناتهم، ويكشف العورات، فلمواجهة البرد القارس ولدغاته القاتلة والثلوج لا بد من توفر ابسط الحاجيات من بنية تحتية وتدفئة واكل ولباس وغيرها من الضروريات التي لا نجدها عند سكان هذه القرى المنسية منذ عشرات السنين..
في هذه المناطق والقرى تصل درجات الحرارة الى تحت الصفر بكثير، قد يكون الأمر طبيعيا وعاديا بالنسبة للعائلات الميسورة، لكنه يتحول الى كارثي بالنسبة الى أسر لا تمتلك ابسط وسائل التدفئة من اغطية وآلات تدفئة، بل وتقطن في اكواخ معزولة... اسر تضطر مع كل موجة برد الى العيش في حصار تفرضه عليهم الطبيعة، حيث يصبح التنقل وخاصة الى المستشفى امرا شبه مستحيل، وهنا نستحضر الحادثة الأليمة التي راحت ضحيتها رانيا ضيفلي، طفلة ولسوء حظها ولدت بمكان منسي على هذه الرقعة الجغرافية ونقصد «اولاد ضيف الله» من معتمدية عين دراهم في ولاية جندوبة، فرانيا ماتت بسبب الفقر وقلة الحيلة، حيث عجزت عائلتها عن نقلها الى المستشفى بعد ان اصيبت بنزلة برد نتيجة انخفاض درجات الحرارة...
ولعل ما يزيد في حجم المعاناة أن المناطق التي تشهد تساقط الثلوج بكثافة هي المناطق الأكثر فقرا في تونس والأقل تنمية، من جندوبة والكاف الى القصرين وسليانة وغيرها من مناطق الشمال الغربي المنكوبة، وهنا نشير الى أنّ المسح الأخير، الذّي قام به المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة، أثبت أنّ نسب الفقر والبطالة والأميّة في تلك المناطق هي ضعف المعدّلات الوطنيّة. حيث تبلغ في مدن الشمال الغربي والوسط الغربي أرقاما تبدو مفزعة وتتراوح بين 30% و40%. بينما يستمرّ تهالك البنى التحتيّة من طرقات وجسور وسط غياب شبه تام للدولة أو للمستثمرين الذّين يرون فيها مناطق غير مغرية.
800 تونسي ينامون في الشارع
سوء احوال الطقس وتساقط كميات كبيرة من الثلوج اجبرا بداية هذا الأسبوع أكثر من 800 تونسي إلى قضاء ليلتهم في الشارع في منطقة عين دراهم بسبب انسداد الطرقات، حيث علقت نحو 200 سيارة هناك، منها حافلة تقل أطفالًا من سيدي بوزيد كانوا في رحلة مدرسية إلى عين دراهم، وبتدخل من الجيش وبعض الجمعيات تحولت كل المؤسسات العمومية في مدينة عين دراهم الى مراكز إيواء على غرار معهد خمير ومعهد عين دراهم والقاعة المغطاة والمدرسة السياحية، وقد تم توفير الأكل والملابس الصوفية لهذه العائلات.
حادث ينم ولو بطريقة غير مباشرة على أن السياحة في مثل هذه المناطق ممنوعة أيضا، حيث بان بالكاشف ان هذه القرى التي قد تعتقد بمجرد رؤية جمالها وهي مغطاة بالثلوج انها وجهة سياحية بامتياز، لكن ولسوء الحظ هذا الكلام لا ينطبق على وضع الحال، حيث ان سوء البنية التحتية والطرقات يحولان دون تحقيق هذا الهدف أيضا...
اعانات لا تسمن ولا تغني من جوع
على خلفية موجة البرد القارس الذي اجتاح مناطق الشمال الغربي وخاصة عين دراهم، والحصار الذي فرض على الاهالي، اكد وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي انه من الضروري الوقوف اليوم على حقيقة الإشكاليات المطروحة بهدف تحسين البنية التحتية وتطوير وسائل الإنقاذ، مشيرا الى ان لجنة مجابهة الكوارث تتابع الوضع مضيفا انه تم توزيع ما يقارب 260 ألف قطعة ملابس وحوالي 2500 حاشية و15 طنا من الأغذية وكميات من الأغطية الصوفية والأحذية.
كما اعلنت وزارة التجهيز عن وضعها لعدد هام من المعدّات على ذمة الجهة للتدخّل منها 6 شاحنات لازالة الثلوج و11 آلة ماسحة و3 آلات كاسحة مزنجرة و2 آلات حفر وشحن و2 آلات كاسحة مطاطية.
مسكّنات لا جدوى منها
اعانات وتدخلات ظرفية، قد تساعد اليوم على تجاوز الوضع الكارثي ولو جزئيا، لكن نذّكر أهل القرار ان هذا الوضع ليس وليد اللحظة، بل هو متكرر منذ عشرات السنين، ومن المنتظر ان نشاهده ونعيشه في قادم السنوات ما لم تفكر هذه الحكومة، في حلول جذرية تنقذ أبناء هذه المناطق المهمشة، وعلى المسؤولين اليوم ان يدركوا جيدا ان بعض الأغطية والملابس والمواد الغذائية من زيت وطماطم ومقرونة ليست الحل الناجع صحيح ان الغضب الشعبي قد يقع امتصاصه، بعد تمتيع هذه العائلات المعوزة بهبات واعانات، لكن على الحكومة ان تفكر جيدا في توفير مواطن شغل ودفع عجلة التنمية والتشغيل، والاستثمار، فتلك الربوع من الجمهورية، حبلى بالثروات الطبيعية، وبالامكان استغلالها بانشاء مصانع. هل غاب عن المسؤولين ان هذه المناطق هي جبلية بالاساس وبالامكان انشاء مصانع لتصنيع الاثاث، على سبيل المثال، دون ان ننسى الثروات المائية التي بالامكان استغلالها في اكثر من مشروع، وهذا ما يطرح اكثر من سؤال، فلماذا لا تشجع الدولة على الاستثمار وتمنح رجال الاعمال امتيازات ضريبية او غيرها تدفعهم الى التشجع وخوض غمار هذه التجارب وانقاذ هذا الجزء من الشعب، وبطبيعة الحال لن تجد نفسها عندها في قادم السنوات مضطرة الى التوضيح ولا الى تشكيل لجان مجابهة الكوارث او تقديم الاعانات والهبات التي يعتبرها البعض اهانة اكثر منها مساعدة .
الكوارث الطبيعية تصبح ذات آثار مدمرة عندما ترتبط بالفقر والبطالة
ولأنه وكما اسلفنا الذكر حول الحلول الوقتية التي لن تساهم بأي شكل من الاشكال في تجاوز ازمة القرى الداخلية مع كل موجة برد، كان لنا اتصال باستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي، الذي ذكر أن ابناء هذه الجهات الداخلية في حاجة الى العمل في المقام الاول، لأن العمل وتوفير موارد رزق هما فقط القادران على مجابهة كل الكوارث والتأقلم معها وعندها لن تضطر الدولة الى التدخل على حد تعبيره، وذكر محدثنا ان الكوارث الطبيعية تصبح ذات آثار مدمرة عندما ترتبط بالفقر والبطالة، مشيرا الى أن البلدان الاسكندنافية هي اكثر البلدان التي تجابه كوارث طبيعية كبيرة وخاصة المتعلقة بالثلوج، لكن وبفضل اقتصادها القوي تمكنت من استثمار هذه الكوارث في جانب ايجابي كالتسلية والسياحة.
مشاريع على الورق فقط
وذكر الاستاذ رضا ان منسوب الثقة تجاه الحكومة شهد نسقا انحداريا وهو ما يبرر الاحتجاجات التي تشهدها كل المناطق الداخلية اليوم، والسبب حسب محدثنا يعود الى عدم ايفاء هذه الحكومة وكل الحكومات التي سبقتها بوعودها، حيث عادة ما يتم عقد مجالس وزارية مع ابناء هذه الجهات واتخاذ قرارات لكن لا يقع تفعيل اي من هذه القرارات، واشار الى ان الشمال الغربي تم اتخاذ عديد القرارات الوزارية في شأنه لكنها لم تفعل وبالتالي على الحكومة العودة الى محاضر الجلسات وستتمكن من تنفيذ استراتيجية على المدى القريب .
وبين الاستاذ رضا الشكندالي أن حكومة الشاهد تواجه هامشا ضيقا جدا للتصرف، وعليها اليوم العودة الى الحلول التطرفية اي منح ابناء الجهات نسبة من ثروات جهتهم واشراكهم في المسؤولية، مؤكدا ان لكل جهة بالتراب التونسي خصوصيتها التي يجب استثمارها، وبالتالي سينقص الضغط على الحكومة ويصبح بامكانها توفير الدعم والتنمية لباقي الجهات ..
ثروات طبيعية غير مستثمرة
كما افادنا ان الدولة التونسية انتهجت طيلة سنوات سياسة تهميش القطاع الفلاحي على حساب الاهتمام بالقطاع السياحي، لكنها وجدت نفسها اليوم تواجه مشاكل في قطاع السياحة مع تردي اوضاع القطاع الفلاحي، مضيفا انه لا بد من الاستثمار في الفلاحة، وخاصة بالمناطق الداخلية مؤكدا ان عين دراهم وجندوبة والكاف وغيرها من المناطق الداخلية تمتلك ثروات فلاحية ضخمة وبامكان الحكومة استغلالها وانقاذ هذه الجهات والتخلص من حملها في نفس الوقت
ختاما نؤكد من جديد أن هذه المناطق تزخر بثروات مائية وموارد طبيعية لكن الاهالي يعانون العطش والفقر والاحتياج والبطالة وغياب المسالك الجبلية التي بإمكانها أن تفك العزلة عنهم و تقلص من عدد العاطلين عن العمل وتخلق موارد التنمية الغائبة منذ سنوات الاستقلال الأولى..